محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الَّذِينَ آمَنُوا نصيرهم وظهيرهم ، يتولاهم بعونه وتوفيقه ، يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ يعني بذلك : يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان . وإنما عنى بالظلمات في هذا الموضع : الكفر . وإنما جعل الظلمات للكفر مثلا ، لأَن الظلمات حاجبة للأَبصار عن إدراك الأَشياء وإثباتها ، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإِيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه . فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإِيمان وسبله وشرائعه وحججه ، وهاديهم ؛ فموفقهم لأَدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر ، وظلم سواتر أبصار القلوب . ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به ، فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني الجاحدين وحدانيته أَوْلِياؤُهُمُ يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم ، الطَّاغُوتُ يعني الأَنداد والأَوثان الذين يعبدونهم من دون الله ، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ يعني بالنور : الإِيمان على نحو ما بينا إلى الظلمات ، ويعني بالظلمات : ظلمات الكفر وشكوكه ، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإِيمان وحقائق أدلته وسبله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يقول : من الضلالة إلى الهدى ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ الشيطان ، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ يقول : من الهدى إلى الضلالة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ الظلمات : الكفر ، والنور : الإِيمان ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ يخرجونهم من الإِيمان إلى الكفر . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله تعالى ذكره : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يقول : من الكفر إلى الإِيمان ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ يقول : من الإِيمان إلى الكفر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن عبد الله بن أبي لبابة ، عن مجاهد أو مقسم في قول الله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ قال : كان قوم آمنوا بعيسى ، وقوم كفروا به ؛ فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى ، وكفر به الذين آمنوا بعيسى . أي يخرج الذين آمنوا إلى الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال : يخرجونهم من النور إلى الظلمات . حدثنا المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت منصورا ، عن رجل ، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ إلى : أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال : هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم ، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به ، وأنزلت فيهم هذه الآية . وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة يدل على أن الآية معناها الخصوص ، وأنها إن كان الأَمر كما وصفنا نزلت في من كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وفيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من عبدة الأَوثان الذين لم يكونوا مقرين بنبوة عيسى وسائر الملل التي كان أهلها تكذب بعيسى . فإن قال قائل : أو كانت النصارى على حق قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فكذبوا به ؟ قيل : من كان منهم على ملة عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فكان على حق وإياهم عنى الله تعالى ذكره بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . فإن قال قائل : فهل يحتمل أن يكون